تنتشر يومياً كميات هائلة من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت، وبينها محتوى مضلل قد يصعب اكتشافه من النظرة الأولى. وبالنسبة إلى الصحفي، لا يقتصر التحقق على تجنب نشر معلومة خاطئة، بل يرتبط أيضاً بحماية مصداقيته ومصداقية المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها.
ومع سهولة إعادة نشر المحتوى وتعديله أو إنتاجه باستخدام أدوات رقمية متقدمة، أصبح التحقق من الأخبار والمعلومات والصور والفيديوهات جزءاً أساسياً من العمل الصحفي، وليس خطوة إضافية يمكن تجاوزها.

لماذا أصبح التحقق مهارة أساسية للصحفي؟
في الماضي، كان التحقق من المعلومة يعتمد بدرجة كبيرة على مقارنة الروايات والرجوع إلى أكثر من مصدر. أما اليوم، فقد أصبح الصحفي يواجه أنواعاً أكثر تعقيداً من المحتوى المضلل، بما في ذلك الصور القديمة التي يعاد نشرها في سياق جديد، ومقاطع الفيديو الحقيقية المنسوبة إلى أحداث مختلفة، والصور أو المقاطع التي خضعت للتعديل أو التوليد الرقمي.
وقد لا يكون المحتوى المضلل ناتجاً دائماً عن محاولة متعمدة للخداع؛ فقد ينتشر بسبب خطأ في تحديد التاريخ أو المكان أو هوية الأشخاص الظاهرين فيه.
وفي جميع هذه الحالات، تظل مسؤولية الصحفي واحدة: التحقق من المعلومات قبل نشرها أو الاستشهاد بها.
برنامج Bombina Global التدريبي للصحفيين: التعلّم من خبرات ميدانية حقيقية
نصائح Bombina Global الأساسية للتحقق من الأخبار المكتوبة
1. تتبع المصدر الأصلي
قبل التعامل مع خبر متداول باعتباره حقيقة، يحتاج الصحفي إلى معرفة مصدر المعلومة الأساسي، بدلاً من الاكتفاء بمصدر ثانوي أعاد نشرها.
فإعادة نشر الخبر مرات عديدة قد تؤدي إلى فقدان أجزاء من سياقه أو تغيير بعض تفاصيله. ولذلك يساعد الوصول إلى المصدر الأصلي على فهم ما قيل فعلًا، ومتى قيل، ومن صاحب التصريح أو المعلومة.
2. مقارنة الرواية بمصادر متعددة ومستقلة
لا يكفي الاعتماد على مصدر واحد مهما بدا موثوقاً. ويصبح التحقق أكثر قوة عند مقارنة المعلومات مع مصادر مستقلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحداث مهمة أو معلومات قابلة للتغيير.
وقد تكشف المقارنة بين المصادر اختلافاً في الأرقام أو التواريخ أو تفاصيل الحدث، وهو ما يمنح الصحفي فرصة للعودة إلى المصادر والتحقق من سبب هذا الاختلاف قبل النشر.
الذكاء الاصطناعي في الصحافة: كيف يستخدمه الصحفي كأداة لا كبديل؟
3. التحقق من هوية الأشخاص والتصريحات المنسوبة إليهم
تنتشر أحياناً تصريحات أو مواقف منسوبة إلى شخصيات عامة دون وجود مصدر موثوق يثبت صدورها.
لذلك ينبغي البحث عن التصريح في مصدر رسمي أو تسجيل أصلي أو مقابلة موثقة، مع التأكد من أن الكلام لم يُقتطع من سياقه أو يُنسب إلى الشخص بشكل غير صحيح.
كيف يتحقق الصحفي من الصور والفيديوهات؟
1. استخدام البحث العكسي بالصور
يمكن للبحث العكسي بالصور أن يساعد في معرفة ما إذا كانت الصورة قد ظهرت على الإنترنت في وقت سابق أو ضمن سياق مختلف.
وهذه الخطوة مهمة بشكل خاص عند التعامل مع صور متداولة أثناء الأحداث العاجلة، لأن الصورة قد تكون حقيقية بالفعل، لكنها لا تعود إلى الحدث الذي يدّعي المنشور أنها توثقه.
2. فحص التفاصيل البصرية والسياق
قد تحتوي الصور ومقاطع الفيديو على تفاصيل تساعد في التحقق من المكان أو التاريخ، مثل أسماء الشوارع، واللافتات، والمباني، والملابس، وحالة الطقس، أو أي عناصر أخرى يمكن مقارنتها بالمعلومات المتاحة عن الحدث.
لكن وجود هذه التفاصيل لا يكفي وحده لإثبات صحة المحتوى؛ بل ينبغي استخدامها ضمن عملية تحقق أوسع تشمل المصادر والسياق.
3. الانتباه إلى علامات التعديل أو التوليد الرقمي
مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات تعديل الصور والفيديو، أصبح من المهم الانتباه إلى أي عناصر غير متسقة داخل المحتوى، مثل اختلافات واضحة في الإضاءة أو التفاصيل أو الحركة.
ومع ذلك، لا ينبغي الاعتماد على الملاحظة البصرية وحدها للحكم بأن صورة أو فيديو ما مزيف؛ فقد تبدو بعض المواد غير طبيعية لأسباب تقنية، بينما قد تمر مواد أخرى معدلة دون علامات واضحة.
لذلك يجب التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها جزءاً من عملية التحقق، وليست دليلاً قاطعاً بمفردها.
لماذا يبقى التحقق البشري ضرورياً رغم توفر الأدوات الرقمية؟
توفر الأدوات الرقمية مساعدة مهمة للصحفي في مراحل مختلفة من عملية التحقق، مثل البحث العكسي عن الصور، وتتبع المصادر، ومقارنة المعلومات، وتحليل انتشار محتوى معين.
لكن نتيجة أي أداة لا ينبغي أن تكون البديل عن التقييم الصحفي.
فالتحقق يتطلب فهم السياق، ومقارنة الأدلة، وتقييم موثوقية المصادر، ومعرفة ما إذا كانت المعلومات التي تم العثور عليها تثبت الادعاء فعلاً.
وقد تشير إحدى الأدوات إلى وجود مشكلة، لكن القرار التحريري النهائي يحتاج إلى حكم بشري مسؤول عن دقة المحتوى وسياقه.
تغطية مناطق النزاع والحروب: ما المهارات التي يحتاجها الصحفي الميداني؟

ما أثر نشر معلومة غير محققة؟
لا يقتصر أثر نشر معلومة مضللة على الحاجة إلى تصحيحها لاحقًا؛ فقد يؤثر ذلك في مصداقية الصحفي والمؤسسة الإعلامية، خصوصًا إذا تكرر نشر معلومات غير دقيقة.
وفي بعض الحالات، يمكن للمحتوى المضلل أن يساهم في نشر تصورات خاطئة حول أحداث أو أشخاص أو قضايا حساسة، ولذلك يمثل التحقق خطوة أساسية لحماية جودة العمل الصحفي وثقة الجمهور.
التدريب على التحقق في Bombina Global
يمثل التحقق من الأخبار والمحتوى المرئي جانبًا مهمًا من المهارات التي يحتاجها الصحفي في البيئة الرقمية.
وفي إطار برنامج Bombina Global التدريبي للصحفيين، تتضمن الدورات ورشة عمل متخصصة بعنوان “حقيقة أم زيف؟”، تركز على اكتشاف الصور والفيديوهات المزيفة، ورصد المعلومات المضللة في المقالات والمحتوى المتداول عبر الإنترنت، إلى جانب تطوير مهارات تتبع المصادر الأصلية للصور والمحتوى.
الخلاصة
لم يعد التحقق من الأخبار والمعلومات والصور والفيديوهات مهارة إضافية في العمل الصحفي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من أي عملية تحرير جادة، خصوصًا مع سرعة انتشار المحتوى الرقمي وسهولة تعديله أو إعادة استخدامه خارج سياقه الأصلي.
وتساعد الأدوات الرقمية الصحفي في تسريع بعض خطوات التحقق، لكنها لا تلغي الحاجة إلى البحث والمقارنة وفهم السياق والحكم المهني.
ومن خلال برنامجها التدريبي للصحفيين، تقدم Bombina Global تدريبًا متخصصًا يساعد على تطوير هذه المهارات ضمن مجموعة أوسع من المهارات المهنية التي يحتاجها الصحفي في بيئة الإعلام الرقمي. تواصلوا معنا لمعرفة تفاصيل أكثر.