قد يكون الخبر مضللًا دون أي صورة أو فيديو مفبرك: معلومة نقلتها عشرة مواقع، لكنها في النهاية تعود إلى مصدر واحد لم يُتحقق منه جيدًا. لذلك يبدأ التحقق الصحفي من السؤال: من أين جاءت هذه المعلومة أصلًا؟
أما التحقق من الصور والفيديوهات المضللة تحديدًا، فيمكنكم الاطلاع على مقالنا: كيف يتعلم الصحفي التحقق من الأخبار والصور والفيديوهات المضللة؟

1. الوصول إلى المصدر الأولي
المصدر الأولي هو من شهد الواقعة، أو أصدر الوثيقة، أو أدلى بالتصريح بنفسه. أما المصدر الذي يعيد نقل المعلومة فهو حلقة في السلسلة، وليس بالضرورة أصلها.
لذلك، تتبعوا الخبر خطوة بخطوة: من نقل عن من؟ وما المصدر الذي بدأت عنده المعلومة؟ وهل يمكن الوصول إلى البيان أو التصريح أو الوثيقة الأصلية؟
كلما اقترب الصحفي من المصدر الأولي، أصبح من الأسهل تقييم المعلومات في سياقها الكامل بدل الاعتماد على روايات أعادت مصادر أخرى صياغتها أو اختصارها.
الذكاء الاصطناعي في الصحافة: كيف يستخدمه الصحفي كأداة لا كبديل؟
2. التحقق من هوية المصدر
لا يكفي أن يكون للمصدر حضور معروف على الإنترنت. اسألوا:
- هل هذا الشخص في موقع يسمح له بالمعرفة أو الوصول إلى هذه المعلومات؟
- هل يمكن التأكد من صفته المهنية من جهة أخرى؟
- هل توجد لديه مصلحة أو علاقة مباشرة بالموضوع قد تؤثر في طريقة تقديمه للمعلومة؟
كما أن وجود علامة التحقق على أحد الحسابات في منصات التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن كل ما ينشره الحساب صحيح.
وفي بعض الحالات، قد يكون من الضروري الرجوع إلى الموقع الرسمي للمؤسسة أو حساباتها المعتمدة أو مصادر مستقلة للتأكد من هوية الشخص وصفته.
3. مقارنة المعلومات بين مصادر مستقلة
لا تكتفوا بمصدر واحد عندما تكون المعلومة مهمة أو حساسة.
قارنوا الرواية بمصدر مستقل عن المصدر الأول، وانتبهوا إلى أن تعدد المواقع التي تنشر الخبر لا يعني بالضرورة تعدد مصادره. فقد تنقل عشرة مواقع المعلومة نفسها من بيان واحد أو منشور واحد.
لذلك، السؤال الأهم ليس: كم مصدرًا نشر الخبر؟
بل: كم مصدرًا مستقلًا يؤكد المعلومة؟
وهذا الفرق أساسي عند تقييم الأخبار العاجلة، خصوصًا عندما تنتشر المعلومة بسرعة قبل اكتمال تفاصيلها.
تغطية مناطق النزاع والحروب: ما المهارات التي يحتاجها الصحفي الميداني؟
4. التحقق من التصريحات المنسوبة
عند نشر تصريح منسوب إلى شخص أو مؤسسة، لا تعتمدوا على الجملة المتداولة وحدها.
حاولوا:
- البحث عن التسجيل أو النص الكامل للتصريح.
- التحقق من تاريخ التصريح والمناسبة التي قيل فيها.
- قراءة الكلام في سياقه الكامل بدل الاعتماد على مقتطف منفصل.
- التأكد من أن العبارة لم تُنسب إلى الشخص بشكل غير دقيق.
- توضيح حدود التحقق إذا تعذر الوصول إلى التسجيل أو المصدر الأصلي.
فقد تكون الكلمات المنقولة صحيحة في ظاهرها، لكن اقتطاعها من سياقها يمكن أن يغيّر معناها أو طريقة فهمها.
5. التحقق من الوثائق والبيانات
وجود وثيقة متداولة على الإنترنت لا يعني أنها أصلية أو حديثة أو مكتملة.
تحققوا من:
- الجهة المصدرة للوثيقة.
- تاريخ الإصدار.
- رقم الوثيقة أو المرجع، إن وُجد.
- إمكانية العثور على نسخة منشورة عبر قناة رسمية أو مصدر موثوق.
- ارتباط الوثيقة بالواقعة أو الموضوع الذي تُستخدم لإثباته.
أما في حالة البيانات والأرقام، فلا يكفي نقل الرقم نفسه. اسألوا عن مصدر البيانات، وكيف جُمعت، وما المنهجية المستخدمة، وما الذي تقيسه الأرقام بالفعل.
وقد تبدو بعض البيانات دقيقة لمجرد احتوائها على أرقام ونسب، بينما يكشف الاطلاع على المنهجية أن الأرقام لا تدعم الاستنتاج الذي نُسب إليها.
برنامج Bombina Global التدريبي للصحفيين: التعلّم من خبرات ميدانية حقيقية
6. متى تكون المعلومة غير كافية للنشر؟
ليس كل ما يمكن العثور عليه على الإنترنت صالحًا للنشر الصحفي.
قد تكون المعلومات غير كافية عندما:
- لا يوجد سوى مصدر واحد غير معروف لمعلومة حساسة.
- تكون المصادر المتاحة متناقضة ولم يُحسم سبب التناقض.
- تكون المعلومة قد تؤثر في شخص أو جهة، ولم تُمنح فرصة مناسبة للرد.
- يتعذر الوصول إلى المصدر الأصلي أو التحقق من صحة الوثيقة أو التصريح.
- تكون المعلومات المتاحة مبنية على ادعاءات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
في هذه الحالات، قد يكون تأجيل النشر هو الخيار المناسب، أو يمكن نشر المعلومات بصياغة واضحة تميز بين ما تم التحقق منه وما لا يزال غير مؤكد.
فالسرعة مهمة في العمل الصحفي، لكنها لا تلغي مسؤولية التحقق.
7. دور الحكم التحريري
التحقق الصحفي ليس قائمة خطوات تُملأ آليًا ثم تنتهي المهمة.
في النهاية، يحتاج الصحفي والمحرر إلى تقييم قوة الأدلة، ومدى أهمية المعلومة، وحجم الأثر المحتمل لنشرها، ومستوى اليقين المتاح في اللحظة التي يُتخذ فيها قرار النشر.
ولهذا تحتاج غرف الأخبار إلى سياسات تحريرية واضحة تحدد:
- ما الذي يحتاج إلى أكثر من مصدر؟
- متى يجب الرجوع إلى المصدر الأصلي؟
- كيف يتم التعامل مع المعلومات غير المؤكدة؟
- متى يجب منح الطرف المعني فرصة للرد؟
- كيف يتم تصحيح المعلومات إذا ظهر خطأ بعد النشر؟
وجود هذه المعايير يساعد على جعل التحقق جزءًا من سير العمل، وليس مجرد خطوة فردية تختلف من صحفي إلى آخر.
8. أخطاء التحقق الشائعة
هناك مجموعة من الأخطاء التي قد تضعف عملية التحقق، حتى عندما يبذل الصحفي جهدًا في البحث، ومنها:
- الثقة بعدد المواقع التي نقلت الخبر بدل التحقق من استقلالية مصادرها.
- اعتبار الحساب الموثق مصدرًا موثوقًا تلقائيًا.
- الاعتماد على مقتطف من تصريح دون الرجوع إلى سياقه الكامل.
- استخدام وثيقة متداولة دون التحقق من مصدرها وتاريخها.
- الاستعجال في النشر لأن منافسًا نشر الخبر أولًا.
- الخلط بين ما هو مؤكد وما هو مجرد ادعاء متداول.
والوعي بهذه الأخطاء هو الخطوة الأولى لتجنبها أثناء العمل اليومي.
كيف تتحول خطوات التحقق إلى عادة مؤسسية؟
المعرفة الفردية لا تكفي وحدها. فكلما أصبحت عملية التحقق جزءًا من سير العمل داخل غرفة الأخبار أو فريق المحتوى، قلّ الاعتماد على الاجتهاد الشخصي، خصوصًا تحت ضغط الوقت.
ويمكن تحويل التحقق إلى ممارسة مؤسسية من خلال وضع معايير واضحة للمصادر، وتحديد خطوات ثابتة لمراجعة المعلومات، وتدريب الفرق عليها، واستخدام تمارين تحاكي الحالات التي قد يواجهها الصحفيون أثناء العمل.
وهذا هو الجانب الذي تركز عليه برامج التدريب الصحفي لدى Bombina Global، من خلال التدريب العملي على التحقق والتعامل مع المعلومات في سياقات صحفية واقعية.
الخلاصة
التحقق من المعلومات لا يبدأ عند لحظة نشر الخبر، بل يبدأ من السؤال الأول: ما المصدر الذي جاءت منه هذه المعلومة؟
ومن هنا تأتي أهمية تتبع المصدر الأولي، والتحقق من هوية المصادر، ومقارنة المعلومات المستقلة، وفحص التصريحات والوثائق والبيانات، ثم استخدام الحكم التحريري لتحديد ما يمكن نشره وما يحتاج إلى مزيد من التحقق.
فالصحفي لا يحتاج فقط إلى الوصول إلى المعلومات، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة متى يمكن الوثوق بها، وما الذي لا يزال يحتاج إلى إثبات.
تفكرون في برنامج تدريب لفريقكم التحريري؟ يمكنكم التواصل مع Bombina Global للتعرف على برامج التدريب المناسبة لاحتياجات فريقكم.
